أيتها القـريـة: (يكـفي!!)


أيتها القـريـة: (يكـفي!!)


وصلة دائمة لهذا المحتوى : http://www.juof7.com/16872.html

من أول يوم عينت فيه في هذه القرية النائية قبل خمسة وأربعين عاما- لاحظت التنافر الشديد والخلافات العميقة بين سكانها وهي ملاحظة لا تحتاج ذكاء لاكتشافها بل يلاحظها حتى المسافر عابر الطريق.

إلا أن ما أدهشني هو أن هذه الخلافات العميقة لم تمنع اتفاق جميع سكانها على شيء واحد وهو: ترك استخدام إشارة الإنعطاف أثناء قيادتهم لسياراتهم.

ما إن تتجول في شوارعهم حتى تلحظ أن بينهم وبين إشارة الانعطاف عداء أصيل وثأر قديم: لا (يفعلونها) إلا وكأن احدهم يتجرع المر العلقم وفي أضيق الحدود. وحين يضطر أحدهم لاستخدامها فإنه يظل قابضا على العصا الخاصة بتشغيلها ليعيدها لمكانها الأصلي فور انقضاء الدافع الكريه الذي اجبره على استخدامها -لا أعاده الله-.

من أراد منهم الانعطاف أو حتى التوقف في عرض الطريق لا يكلفه الأمر إلا (صدغ) سيارته دون اكتراث بمن خلفه أو بجانبه أو حتى بمن ينتظر عبوره من السيارات المشاركة له في الطريق. فلا شك أن لدى أولئك من المكابح ما يكفيه شر اصطدامهم به والذي هو على أي حال- أهون من شر استخدامه لإشارة الانعطاف المشئومة!.

أما سيء الحظ المقتنع بأهميتها والملتزم بها فينظرون إليه بريبة وتوجس فهو شخص متكلف يحاول التمدن والتمسك بمظاهر رقي لن تنطلي على عقولهم الراجحة بل إنهم فوق ذلك قد يتهمونه بضعف إيمانه بالقضاء والقدر. هذا (المتمدن) حين يريد قطع الطريق بسيارته يقف منتظرا صاحب الأفضلية بالعبور ولكن الأخير ينعطف فجأة دون ان يفكر باستخدامها تاركا (المتمدن) واقفا. ويفعل ذلك به كل الذين ينتظرهم للعبور فهذا هو (سـَـلم) القرية العتيد الذي لا حياد عنه. بل إن السائقين الواقفين خلف (المتمدن) يزعجونه ب(الزوامير) وكأنهم يقولون له: تحرك فقد أبعدت النجعة حين توقعت أن أحدا سيحترم وقوفك له ليستخدم الإشارة قبل الانعطاف.

يبدو أن نعمة (وحدة الصف) و(جمع الكلمة) التي ما فتئ وعاظهم يدعونهم إليها قد اختزل معناها لديهم في التوحد ضد هذه الإشارة ولعل ذلك يفسر انصياعهم للوعاظ في هذه الجزئية دون غيرها من الفضائل الكثيرة التي يدعونهم إليها. يستوي في هذا الموقف الصارم أفرادهم ومسئولوهم ودوريات مرورهم، متعلمهم وجاهلهم، صغيرهم وكبيرهم، موظفهم وغير موظفهم، فكلهم لفظوها كما يلفظون النواة.

فما السر الذي يجعلهم ينظرون لها وبمن يلتزم بها بكل هذه العدائية؟
لغز محير لم يتمكن من حل طلاسمه وفك شيفرته حتى أبرز الشعراء والمتخصصين في حل أصعب الألغاز -وما أكثرهم في القرية-. حتى دراسات السلامة المتخصصة ركزت على كثرة الحوادث المميتة بينهم وتركت تحليل أسباب هذا التقليد الراسخ رسوخ (قيال). أما القرى الأخرى الذين لا حوادث مرورية تذكر لديهم، رغم أنهم أكثر سكانا وأسوأ طرقا من هؤلاء- فهم محرومون من نعمة التحرر من الأنظمة المرورية وعلى رأسها استخدام هذه الإشارة البغيضة.

بدر بن فهد البليهد خاص صحيفة جوف

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *