فكر الملك عبد الله في الحوار والتسامح


فكر الملك عبد الله في الحوار والتسامح


وصلة دائمة لهذا المحتوى : http://www.juof7.com/17872.html

فكر الملك عبد الله في الحوار والتسامح

(بمناسبة انعقاد ملتقى الحوار الوطني بمنطقة الجوف)

عندما طرح الملك عبد الله بن عبد العزيز فكرة الحوار الوطني قبل نحو خمس عشر ة سنة أو أكثر وترجمها عملياً بإنشاء مركز الملك عبد العزيز للحوار الوطني، لم تكن فكرة عابرة أو طارئة أو وليدة وقتها لظروف أو لأسباب آنية دعت إليها، بل كانت تعبر عن فكره ونهجه، فكر الحوار والإصلاح والتغيير. وعندما تطرح مشاريع الإصلاح والتغيير في أي مجتمع فهي تحتاج إلى أسس ومعايير ومعرفة ومعلومات، بمعنى أن تنطلق وفق منهج علمي مبنى على قيم ومبادئ وحقائق من معلومات وأرقام وأراء ومقترحات ومن مصادر مختلفة ومتعددة تكون روافد رئيسية لمشاريع الإصلاح والتغيير والتطوير، وهذا هو المنهج العلمي الذي تسلكه الأمم المتحضرة كأسلوب حياة قابلة للاستمرار والتطور ومواكبة متغيرات العصور المتعاقبة التي أرادها الله سنة الحياة على هذا الكوكب. ونجح فكر ومشروع الحوار الوطني الذي دعا إليه الملك عبد الله، ليس لأنه إرادة ملك فقط بل لأنه فكر يرى المستقبل من خلال أحداث الماضي ومعطيات الحاضر ويعمل على أن يكون مستقبل مشرق وآمن وقليل المفاجآت. وقلة هم القادة وعلى مر التاريخ الذين لديهم هذه القدرة والإرادة أيضاً في الرؤية والتخطيط والعمل للمستقبل. هذا الفكر الحواري الذي يؤمن بتعدد الآراء والأفكار والرؤى، يؤمن أيضا بحق الجميع بالمشاركة والمساهمة في تحليل أحداث الماضي وتقييمها والحكم عليها وحق كل إنسان (ذكر أو أنثى) أن يكون عضواً فاعلاً ومؤثراً في العملية الحياتية له ولأسرته ومجتمعه ووطنه فهي وهو جزء هام وفريد في هذا المجتمع وهذا الوطن وهذا العالم.
ولم يتوقف هذا الفكر العصري والحضاري وقبل ذلك الإنساني الذي تبناه الملك عبد الله – حفظه الله – عند حدود الوطن بل تجاوز حدود الوطن والإقليم ليصبح حواراً عالمياً بين الأمم والشعوب والحضارات. ويحق لنا في المملكة العربية السعودية أن ندّعى الملكية الحقوقية والفكرية لهذا النهج العالمي من الحوار بين الأديان والثقافات والذي تبناه ملكنا وجعل منه ثقافة عالمية تسعى كل الأمم وتعمل كل الدول على ترسيخها في أذهان وعقول شعوبها.
لقد قضت إرادة الله عندما خلق الحياة على هذه الأرض أن يجعل من بني أدم أمم مختلفة ولو شاء سبحانه لجعلهم أمة واحدة ولكنها الحكمة الالهيّة في التعدد والاختلاف بهدف التعارف ومن ثم التقارب والتكامل وصولا إلى فهم كل طرف للطرف الأخر ومحاولة للوصول إلى أرضية مشتركة يتم من خلالها العيش بسلام وأعمار الأرض الذي استخلف فيها الإنسان. وحقيقة الأمر أن الملك عبد الله عندما خاض بكل اقتدار معركة الحوار العالمي بين الأديان والثقافات وبدأه من مكة المكرمة إلى الأمم المتحدة مروراً بأسبانيا يدرك ويعي هذه السنة الإلهية في الاختلاف والتنوع والتعدد بين أمم الأرض ويؤمن بأن تعارفها الذي سيؤدي إلى استقرارها ورفاهيتها لن يتم إلا بالحوار والتفاهم والتقارب إذ أن هناك الكثير من القواسم المشتركة بين تلك الأمم والقليل جداً من عوامل الاختلاف.
إن الحوار بين الأمم والشعوب والثقافات إضافة إلى أنه مطلب ديني هو أيضاً ضرورة إنسانية إذا أراد الإنسان أن يعيش حياة كريمة خالية من القلق والخوف والتوجس من الأخر ثم أنه ومنذ فجر التاريخ لم تستطيع أمة أو مجموعة إنسانية العيش لوحدها بمعزل عن المجموعات والأمم الأخرى لأن الحضارات والثقافات وأيضا المصالح تتكامل كأجزاء البناء الواحد لتكوّن في مجموعها شكل الحياة الدنيا. وإذا كنا كأمة وكدولة وكشعب نبحث عن الريادة أو ندعيها فعلى من تكون الريادة أليست على أمم أخرى وكيف تكون الريادة دون تأثير وكيف يكون هناك تأثير دون تأثر وانفتاح ومعرفة بالآخرين. ولعلنا نذكر أن الصين تلك الدولة ذات المليار نسمة أو تزيد وصاحبة الحضارة العريقة والتاريخية لم تجد طريقها للتأثير على الآخرين إلا عندما تعرفت عليهم و انفتحت تجاه ثقافاتهم وحضاراتهم ودولهم وشعوبهم, هذه هي الحياة الإنسانية على كوكبنا الصغير تعارف وتصالح وعيش مشترك ولا شيء غير ذلك ونحن جزء لا يتجزاء من هذا العالم نتأثر بما يحدث فيه سياسيا واقتصاديا واجتماعيا أردنا ذلك أم لم نرده ولكن المحك الحقيقي هو قدرتنا على تجاوز مرحلة التأثر إلى التأثير وحتى يتم ذلك لابد أن نتعرف على الآخر ونفهمه قبل أن يعرفنا ويفهمنا. وكما قال خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله قبل عدة سنوات في خطابه في الأمم المتحدة أمام منتدى حوار الأديان والثقافات: “أن الإنسان نظير الإنسان وشريكه على هذا الكوكب فإما أن يعيشا معا في سلام وصفاء وإما أن ينتهيا بنيران سوء الفهم والحقد والكراهية”.

كتبه :
د.عبد المحسن بن فالح اللحيد
معهد الإدارة العامة بالرياض
خاص صحيفة جوف


1 التعليقات

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *