نشيد القمح في طابور العطش


نشيد القمح في طابور العطش


وصلة دائمة لهذا المحتوى : http://www.juof7.com/17912.html

لماذا أصبح القمح مطلوبا للعدالة بعد أن كان مصدر تشريع سنابل الخير وخبز الجائعين وموائد المترفين؟ ولماذا أصبح القمح عنوانا للعطش بعد أن كان رمزا للرخاء والنماء؟ ولماذا بقي القمح محافظا على صورته ورمزيته الجميلة بين كافة شعوب الأرض إلا عند الذين يصرون على أن يجعلوا منه حقول بترول أو مناجم ذهب؟ وهل أصبح القمح شبحا ورعبا يطارد السعوديين في حاضرهم ويقض مستقبلهم بعد كل هذا المجد الذي تربع عليه خلال ما يقارب الثلاثين سنة الماضية؟ ولماذا أصبح هذا القمح كابوسا جاثما على صدور خبراء المياه والتنمية في الوزارات المختصة وفي اليونسكو ولدى الباحثين والمهتمين بقضية المياه؟.
ولا أعرف السبب الذي أيقظ ضمير وزارة الزراعة بعد ما يقارب الثلاثين سنة ونيف لتؤكد على أن سنة 2016 هي آخر موسم يتم خلاله شراء القمح المحلي من قبل المؤسسة العامة لصوامع الغلال ومطاحن الدقيق وأن احتياجات المملكة من هذا المنتج سيتم توفيرها من خارج المملكة.
الحقيقة لا أعرف هل أقول لمعالي وزير الزراعة «أن تأتي متأخرا، خير من ألا تأتي أبدا» أم أن القرار جاء بعد خراب مالطة.
هي وزارة الزراعة إذن والتي دفعت المزارعين ثقالا وخفافا لينقبوا عن القمح على بعد مئات آلاف الأمتار في باطن الأرض لا فوقها، وهي الوزارة ذاتها التي أطلقت العنان لمضخات المياه العابرة لكل طبقات الجيولوجيا في باطن الأرض، لا تأخذها شفقة بالبيئة ولا رحمة بالأجيال القادمة، وهي نفسها وزارة الزراعة التي قررت 2005 خفض شراء القمح بنسب متناقصة وصولا إلى وقفه نهائيا بغرض وقف استنزاف المياه الشحيحة في الأساس.
غير أن الرياح لم تكن على ما تشتهي السفن، فتحول أغلب مزارعي القمح إلى زراعة الأعلاف، حيث تضاعف استهلاك المياه عدة مرات خاصة من قبل الشركات الزراعية وكبار المزارعين، فكما تشير الدراسات إلى أن القمح يستهلك ستة آلاف متر مكعب للهكتار الواحد بينما يستهلك الهكتار من الأعلاف حوالي 24 ألف متر مكعب.
والحقيقة أن جوهر المشكلة يكمن في أن وزارة الزراعة تعتقد بأنها في سباق مع وزارة المياه وأن وزارة المياه لم تقدم الدراسات الدقيقة عن حجم المخاطر التي تكتنف مخزون المياه ومستقبل الخزانات الجوفية من تلك المياه. والوزارتان تعملان بلا استراتيجية فلا الزراعة لديها استراتيجية للأمن الغذائي ولا وزارة المياه لديها استراتيجية للأمن المائي. ولا أعرف كيف لوزارة أن تعمل بردود الأفعال وبقرارات عشوائية دون رؤية في عملها ولا أعرف كيف يستطيع مجلس الشورى أو أي جهة رقابية أن تتحقق من عمل المؤسسات الحكومية دون استراتيجيات تحكم الإنجازات وتضمن تحقيق أهدافها.
إن استنزاف المياه سيستمر ما لم يتم وقف تام وفوري للشركات الزراعية السعودية والمزارع الكبيرة وتصفيتها بالكامل في أراضي المملكة العربية السعودية؛ لأن المكان الطبيعي لتلك الشركات هو خارج أراضي المملكة، هذه الشركات أصبحت خطرا ليس على المياه، ولكن على صغار المزارعين والمتوسطة مزارعهم، وهي شركات لا تؤمن بالمسؤولية الاجتماعية ولم تقدم للمجتمع والبيئة والإنسان ما يشفع لها بالبقاء.
فتعد بسيطاء الجوف آخر المحطات التي تحط بها رحال الشركات الزراعية السعودية، والتي جاءت إلى هناك بعد أن خلفت وراءها في عدد من مناطق المملكة آبارا جافة وانهيارات أرضية وحقولا قاحلة ومعدات تحولت إلى أطلال تقدر بعشرات الملايين وتشهد على ما اقترفته تلك الشركات من كارثة بحق الوطن والمواطن بسبب ما اقترفته من استنزاف للمياه فاق الخيال خلال عقود مضت دون رقيب أو ضمير.
لقد حان الوقت لأن تصبح الزراعة مقتصرة على صغار المزارعين والمتوسطة مزارعهم، فهؤلاء تشكل لهم الزراعة موردا اقتصاديا وحيدا، وهم يعانون أشد المعاناة مما تسببت به لهم تلك الشركات الزراعية من أضرار فضلا عن أنهم هم أبناء المهنة.
فمن المؤسف أن يغيب دور وزارة الزراعة عن هؤلاء المزارعين الصغار والمتوسطة زراعتهم وهم الذين لا يشكلون خطرا على مخزون المياه بسبب مساحات أراضيهم المحدودة وبسبب إمكاناتهم المادية المحدودة والذين هم بأمس الحاجة لتقف الوزارة بجانبهم ومساعدتهم وتمكينهم بالإرشاد الزراعي ودعم معداتهم وحمايتهم من الشركات الزراعية وكبار المزارعين، الذين هم من يستنزف المياه ويرفع الأسعار ويحتكر السوق، ويدمر مهنة الزراعة، فهل يعلم معالي الوزير أن مزارعي الزيتون الصغار لم يتمكنوا هذا العام والعامين الماضيين من قطف وعصر زيتونهم بسبب أن الشركات الزراعية سرقت عمالتهم، والسبب الثاني هو أن أسعار عصر الزيتون قد ارتفعت بما يفوق إمكاناتهم وقدراتهم المالية.
ختاما، يتحقق الأمن المائي والغذائي، بتصفية الشركات الزراعية السعودية وكبار المزارعين في الداخل وتوجيههم للخارج، وبتمكين المزارعين الصغار والمتوسطة مزارعهم، وبوقف زراعة الأعلاف والقمح.

عبداللطيف الضويحي


2 التعليقات

    1. 1

      لا فض فوك ..

      (0) (0) الرد
    2. 2

      اخي عبداللطليف كلامك من ذهب ولكن كبير المزارعين هم أبناء من يقمون على خدمت بلاد الحرمين وان أصحاب هذي الشركات شركاء للمسئولين عن هذي البلاد فااقول لك ان المقترح الذي تقترحه لن يتم حتي ان يرث الله الأرض من وعليها ولكن نكتفي بحسبنا الله ونعم الوكيل والله ليس بغافل عنهم وعن من يريد ان يشبع نفسه ولا يهمه اخوانه المسلمين

      (0) (0) الرد

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *