الإسمنتيون والإنسان الإسمنتي


الإسمنتيون والإنسان الإسمنتي


وصلة دائمة لهذا المحتوى : http://www.juof7.com/18032.html

تستيقظ الأرصفة في هذه المدينة قبل سكانها، فالصباح ليس نقطة البدء هنا، وبعض البدايات لا نعرف بها إلا عند خط النهاية، وبطريقة تشبه كثيرا أحياء مدننا حين تدخل بها وتخرج منها فلا تعرف من أين يبدأ الحي وأين ينتهي، ليس للأحياء في مدننا هوية إنسانية، فهي أحياء لا روح فيها وليس لها هوية. أحياء يجاورها أحياء لا نميز حدودها ولا تمتلك طابعا خاصا بطبيعتها وبساكنيها، فلا رائحة ولا طعم أو نكهة. هي أحياء لا تراعي احتياجات ساكنيها الاجتماعية والثقافية والفنية، فلا أندية اجتماعية وصحية ورياضية فضلا عن انعدام الروح الفنية بين أعمدة الخرسانة وأكوام الإسمنت. إنهم الإسمنتيون من المقاولين والعقاريين وإنهم المسؤولون الحاضرون الغائبون في البلديات والأمانات الذين أسقطوا من حسابهم الإنسان في معادلة الأحياء. وإنها الثقافة الإسمنتية التي قوضت مفهوم الأنسنة لأحيائنا ومدننا. فهؤلاء الإسمنتيون استطاعوا خلال سنوات ليست قصيرة أن يجردوا الأحياء من الأحياء والمساكن من الساكنين، واستطاعوا أن يرسخوا مفهوما جديدا للحي لم يستفد من مفهوم الحارة ولا يستند إلى روح الحارة، لأن الحارة نواتها الإنسان. هؤلاء الإسمنتيون صنعوا أحياءنا من الإسمنت، يقدمون الإسمنت على الإنسان فيأتي الإسمنت أولا ثم يأتي الإنسان عاشرا. يستنسخون الأحياء بعضها عن بعض دون مراعاة لفارق ودون ابتكار أو إبداع لتلك الأحياء لا فرق بين بيئة وبيئة وبين طابع وطابع، لا يوجد حي للمتقاعدين على سبيل المثال ولا أحياء نموذجية للباحثين لا توجد أحياء سكنية خالية من الضوضاء ولا توجد أحياء تخص المؤسسات الحكومية. إنه تخطيط «كله يتداخل مع كله». حتى المدن الصغيرة والقرى والأرياف لم تسلم من الحي الإسمنتي. فالبشر أقلية معنوية في هذا النوع من الأحياء. فالإسمنتيون والثقافة الإسمنتية ترى مساكن ولا ترى ساكنين، هذه الثقافة الإسمنتية تريد أحياء استهلاكية فقط ولا وجود للأحياء المنتجة. إنه الاقتصاد الرأسي الذي يقف على أطلال الاقتصاد الأفقي فيكتم أنفاسه، فهو اقتصاد يمتد إلى أعلى ولا يمتد أفقيا. إنه اقتصاد المولات ومراكز التسوق الذي يأتي على حساب خدمات الحي. فالإسمنتيون لا يروقهم الحي، لضآلة حجم الإنسان، فهم يريدون المدينة كلها حيا واحدا هم يعومون الأحياء بعضها في بعض ومع بعض فلا تعرف من أين يبدأ الحي وأين ينتهي، لأن منطلقاتهم اقتصادية ربحية بحتة، والإنسان في تصورهم هو كائن إستهلاكي، لا يرون الإنسان إلا من المنظور الاقتصادي. هؤلاء الإسمنتيون لا يرون الإنسان اجتماعيا وثقافيا وصحيا ورياضيا، هم يرون من زاوية واحدة ضيقة هي الزاوية الاقتصادية فقط. إنها أحياؤنا التي تمتد بطول المدينة وعرضها ولذلك لا توجد أحياء بالمعنى الحقيقي للحي إنما يوجد بلوكات إسمنتية تسمى أحياء هو المدينة بكاملها مهما كان حجمها، ولا يمكن أن نعد هذه البلوكات بأنها أحياء وفقا لهذا المنظور القائم. أمر محزن أن يتحول سكان المدن إلى كائنات تشبه الكائنات الافتراضية، بل إن العلاقات الافتراضية والتي تربطنا بأصدقائنا الافتراضيين هي أكثر دفأ وحميمية مما يربطنا بجيراننا في الأحياء التي نسكنها في المدن وحتى في القرى والأرياف.
أبرز ضحايا الأحياء الإسمنتية هم كبار السن، فلا أندية اجتماعية تراعي صحتهم وظروفهم النفسية، فالكل يجب أن يكابد صعوبات السير والمرور وأزمة المرور والزحام في مدينة مثل الرياض ليصل إلى النادي الكبير والعملاق. في حين أن النادي الصحي والاجتماعي في الحي لا يحتاج إلا أبراج أو مجمعات ضخمة هو يحتاج إلى مواقف سيارات ومبنى صغير يتوفر على ممرضتين ووسائل ترفيهية تناسب أعمار وظروف كبارالسن النفسية والاجتماعية، وخدمة طعام خفيف وربما وسيلة نقل والأهم ألا يكون بعيدا فلا يستغرق أكثر من بضع دقائق من البيت وإلى النادي. الأندية الاجتماعية ليست ترفا، هي المقياس الحقيقي لإنسانية المدينة وأحيائها، الأندية الاجتماعية ليست وجاهة، فلا يمكن أن نقيم ناديا اجتماعيا فاخرا ومعلما بارزا من علامات المدينة وننسى أن ما يحتاجه هو ليس هذا النادي الكبير والضخم والوجاهة بقدر ما هم بحاجة لنادي الحي البسيط القريب ذي الطابع الإنساني والاجتماعي والثقافي. لقد حان الوقت أن يشترك الصحيون والمثقفون والفنانون والاجتماعيون وحتى أهل الحي في تخطيط أحيائهم ولا يجوز أن يرتهن التخطيط في يد الإسمنتيين من العقاريين والمقاولين ونظرائهم الحاضرين الغائبين في البلديات والأمانات لنصل إلى الحي المؤنسن والمدينة المؤنسنة والإنسان الطبيعي والسوي.
نريد أحياء مطمئنة ولا نريد أحياء صاخبة تنتهك هدوءها المولات العملاقة والمراكز التجارية الضخمة دون أي اعتبارات ثقافية واجتماعية أو هوية أو إنسانية.

عبداللطيف الضويحي


أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *