أكبر من الجرح


أكبر من الجرح



بسم الله الرحمن الرحيم

لمستُ ازدياد الحديث عن تأخر الخدمات و تدهور أحوال الشوارع و المرافق و ما يخص شئون الفرد المادية الحياتية حتى شككتُ بانتشار (إنفلونزا التشكي ) ، لقد أغفلنا النظر إلى أرواحنا و انشغلنا عن الجوانب المشرقة داخلنا و حولنا ، لذا أحببتُ أن أقدم قصة قصيرة كنتُ قد كتبتها قبل شهور ، وهي لا تخص أخوتنا ذوي الاحتياجات الخاصة فحسب بل تنسحبُ علينا جميعاً فكلنا يجب أن نكون أكبر من أي عقبة أو صعوبة !

أكبر من الجرح

سيبتزون روحهُ ، سيعبثون بمشاعرهِ ، سيبعثرونَ بقايا أمله ، سيريقون دموعهُ المتوارية خلف تقاسيمه النقية ، أعرفهُ جيداً لن يمانع فيما لو طلبتِ منه مرافقتي ، إلا أن قلبه الزجاجي المضيء سيتهاوى حين يرمقهُ أحدهم بنظرة عطفٍ أو كلمةٍ داكنة! ، أرجوكِ يا أمي لا تخبريه بموعد حفل تخرجي ، لأجله .. لأجله هو فقط ! ، نظر إليها بعينين تكابران الدموع و دلف حجرته.
كانت تلكم الكلمات المغتسلة بالألم تمتدُ إلى أذنيه ، تنطرحُ داخله كعصفورٍ يحتضر أو كطوفانٍ كالح ، تشتعلُ الساعاتُ المظلمة في ذهنه و أمام عينيه ، تكاد تحرقه بعسفِ توهجها ، يحاول إخمادَ شررها بأريجٍ هادر من جنبات قلبه الذي ملّ الأنين ، يقاومُ في أحشائه دنف الحزن الذي يلتهمُ خلاياهُ و خفقاتهِ بشراهة.
يدفعُ بكرسيهِ المتحرك إلى حيثُ تلك الفرجة المربعة ، إنها أثيرته الوفية التي طالما منحت عينيه مصافحة وجه السماء ليتأمل تفاصيلها الزكية ، و يبثُ ربه شكواهُ بخضوع ، تلكَ الشرفة تهديهِ كل صباح ابتسامات الضوء و ابتهالات الهواء و أغاريد المطر ، و لطالما ابتلعتْ دموعه و أحزانهُ بصمت !
يضعُ يده النحيلة المرتجفة على قاعدتها ، يستجمعُ ما تبقى داخلهُ من أمل ، يبحثُ بتحفزٍ عن خيوط الإصرارِ في شرايينه ، تطفرُ من حنجرته نغمة حزن أشبهُ بنحيبٍ مـُـنهك ، يقفُ على ساقهِ الوحيدة متكئاً على تلكم الشرفة و طيوف الحياةِ تشرقُ داخله .
يسرجَ بصرهُ حيثُ السماء ، ترتسمُ في عينيه صفحة القمر ، ينبجس على محياه رضاً رزينٍ ، تتدحرجُ من شفتيه كلمات خافتة: تعيشُ وحيداً؟!
يصْرِفُ بصره مسترسلاً : أنتَ ترابٌ و أنا كائنٌ بشري تتنازعني الآمال و التطلعات ، يجري داخلي هديرٌ يافع يلهمني أناشيد الحياة و يبعثُ في دمائي ماء البقاء ، الانعزالُ هو الذبول الذي أرفضه ، ثمةَ قلب كبيرٌ داخلي سيسقي تضاريس الأرواح و الأرجاءِ حولي أجمل الأمنيات !
يمد إحدى يديه حيثُ كرسيه المتحرك ، يركن إليه بهدوء رغم قسوة الألم الصاخب في أحشائه.
ينتزع زهرةً من زجاجةٍ مكتظةٍ بالأغصان ، تنفتل جملة كأنها الربيع : لقد ملأتِ المكان عطراً و أنتِ بساقٍ واحدة ! ، يبتسم و يعيدها إلى حيثُ كانت كي تبث المكان أريجاً طاهراً .
هكذا هو مختلفٌ بقلبهِ و تفكيرهِ و روعته ، لذا لم تكن صباحاتهِ إلا بساتين ابتهاجٍ و أمل ، كبيرٌ هو برباطةِ جأشه و عطائه و روحهِ السامقة ، يمزق نظرات الشفقة و كلمات اللمز و التوهين و يذروها حيثُ الفناء ، يجمعُ الأنفاس المنعتقة من القلوب الطهورة في أعماقه كي تورق أفنان التحدي داخله .
يمنح الآخرين ابتسامات الفأل و يعلمهم دروساً في الشموخ ، لقد أخبر الجميع أنه أكبر من الجرح حين فاجأ أخاه ذات مساء : خذني معك لأشاطرك فرحتك ، فأنا أرفض الانكسار !

إكليل بهجة:
شكراً لوزارة الثقافة ممثلة بوكالة الوزارة للشئون الثقافية لحسن الاستقبال و الضيافة ، شكراً لمنسقة الوزارة الأستاذة هيا الخلف ، شكراً لجميع القلوب الطيبة الكبيرة التي باركت و ابتهجت بفوز اسمٍ جوفي في مسابقة الوطن في عيون الشعر ، شكراً لشقيقي عبدالعزيز الذي رافقني إلى هناك ، شكراً للجميع .

ملاك الخالدي (خاص صحيفة جوف)

12 التعليقات

إنتقل إلى نموذج التعليقات

    1. 1

      مقال رائع اخت ملاك شكرا لك وجزاك الله خيرا

      (0) (0) الرد
    2. 2

      اباركك الله ياملاك ولا شك بحبنا لابنائنا وحب اللإبداع الذي ينطلق من أرواحهم الطيبه المتوقده المشرقة بالعطاء الجزيل لجوفهم.

      عرفت من سفري وترحالي بأن الذي يذهب يبحث عن نفسه وهي بين جنبيه فلن يجدها ابدا فالسعاده تنطلق من الداخل وهي السعادة الباقية فإذا وجدها المعاق نفسيا وخلقيا وجسديا فسيكون اسعد من درج على الأرض .

      لاشك بأن جمال الأرض متعة العين والنفس ولكن اذا لم تمزج بحب النفس والروح ستكون معاقه شاهد الذي يجد متعته في البر وهو يمتطي الأرض طولا وعرضاويتسلق الجبال طلوعا ونزولا ويغوص في الأوديةويركب امواج الخطر يجد متعة عالية رفيعه لأنه يمارس الحب في داخلة وذاته مع مايجد من مشقة في المسير ….

      انحن فعلا مفطورون على التشكي والنظر الى الجانب المظلم في حياتنا هل نحن نشاهد نصف الكأس الفارغ

      (0) (0) الرد
    3. 3

      ممتاز كل ماتخطه اناملك اخت ملاك الى الامااااام دوما

      (0) (0) الرد
    4. 4

      وربي رووووووعة موووووفقة خيتو واصلي ابدااااعك

      (0) (0) الرد
    5. 5

      ملوكة الغاااالية ننتظر جديدك ومقالك صرااااحة منتهى الابدااااع لاتحرمينا

      (0) (0) الرد
    6. 6

      حالة انسانية مصورة باسلوب مميز شكرا ملاكنا الغالية

      (0) (0) الرد
    7. 7

      روووووووووووووووووووووووووووعه
      اخت ملاك

      (0) (0) الرد
    8. 8

      ياا لهذا القلم من إبداع وتميز ..ماشاء الله

      وصلت الفكره والهدف والغايه من هذا الموضوع بطرح جميل يشع من جنباته نور الأمل

      والإنطلاق نحو أفق أرحب وأوسع وحياتاً ملئيه بالحب والتفاؤل خاليتاً من الإنكسار

      الله لايضرك حروفك ومداد قلمك سيخلده التاريخ

      (0) (0) الرد
    9. 9

      دائما متألقة

      شكراً لقلمك المبدع ، ولفكرك النير .

      إلى الأمام أختي الغالية

      (0) (0) الرد
    10. 10

      رررررررررررررررائع اختي ملوكة
      قمة الإبداع
      ننتظر ابداعاتك

      (0) (0) الرد
    11. 11

      في كل مرة تكتبين ياملاااااااك الجوف تخاطبين قلبي وعقلي الذي قلماان يجتمعان كلماتك بلسم للقلوووووب ودواء للنفوس الحززززززينة اشكر لقلمك هذا الابدااااع وتقبلي محبتي

      (0) (0) الرد
    12. 12

      ملاك كلمات جيدة جدا ولكن فرق هو شاسع مابين المقال وبين اسلوب التنميق النثري
      يبدو انك متأثره بالشعر الى حد ما بحيث اختلط بمقالاتك الادبية الاجتماعية .
      تحية تقدير لجوف الجميله

      (0) (0) الرد

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *