كلما أمطرت السماء ماء، أظهرت الارض فساد من عليها


كلما أمطرت السماء ماء، أظهرت الارض فساد من عليها



خلال السنوات الاخيرة شهدت المملكة العربية السعودية اختلافا في مناخها وزيادة في نسبة الامطار والتي تعد غزيرة جدا حسب تصنيف الجهات المختصة، وهذه قدرة الله عز وجل في خلقة. ومن اللائق ان اذكر ان المطر نعمة من نعم الله المباركة التي يغيث بها عباده وأرضه ويسقى بها الارض من رحمته فتربوا وتنبت الزرع ويمتلئ الفرع ويعيش الناس حياة الرخاء الزراعي وترعى مواشيهم وتأكل من خيرات الثمار.
ولكن المواسم الممطرة في بلادي التي ينتظرها اهل القرى والهجر ليزرعوا ويحرثوا ويعلفوا انعامهم اصبحت كارثة على المدن والمناطق الثرية بميزانياتها ومخصصاتها والتي تعادل بعضها أكثر من ميزانيات دول بأكملها. وهذه وللأسف تحظى بمنظمات ترزح تحت وطأة الفساد في التخطيط والتنفيذ والمراقبة والإشراف على مشاريع تنميتها وبنيتها الاساسية، والتي سرعان ما تنكشف عورتها عند هطول الامطار الغزيرة، وتظهر بنيتها التحتية الهشة وغيرها من استغلال المواقع في بطن الاودية واستغلال الاحياء العشوائية التي راح ضحيتها مئات من البشر نتيجة اعمال غير مسئولة ممن تعتقد انهم مسئولين وهم بعيدون عن المسئولية.
وكارثة جدة وأحداثها ومناظر اولئك الذين تضج اصواتهم بصرخات المنكوبين لم تنسى ,والذين ذهبوا هم ضحية فساد القيم والتدني الاخلاقي لدى المعنيين الذين كانوا وراء هذه الكوارث.
ومن المؤسف ان يصبح المطر الذي يطلبه المسلمون في صلاة الاستسقاء وهم يدعون الله نزوله أصبح هلاك للإنسان والحيوان والنبات بسبب عدم طاعة الله في تنفيذ اوامره بتعمير الارض كما يجب ان يعمروها، ولان المفسدين انشغلوا في عمارة مصالحهم الشخصية على حساب الارض ومن عليها من مخلوقات.
ولو ان كل انسان يحكم نفسه فلا يغفل عن طاعة الله في خلقه، ولو ان كل شخص او فرد في هذا المجتمع لديه اهتمام عام في صالح التنمية الوطنية التي تحتاج الى عمل متكامل، وعدم الصمت امام اولئك المفسدين والتصدي لهم لكان الوضع أفضل بكثير مما هو عليه الان.
وللحد من تفشي الفساد فأن ولي الامر ملزم بالتعامل مع المفسدين بحزم وفاعلية ومعاقبتهم تعزيرا وفق ما يراه محققا لمقصود الزجر والتأديب , لان من اهم اسباب انتشار الفساد هو ان العقوبات التي توقع في حق اصحابها تكون في معظم الاحيان انتقائية وشكلية وتمنع تحقيق المقصود منها. بل انها قد تشجع الاخرين على اقتراف هذا النوع من الجرائم، طالما انه لم يتم التطبيق الكامل لأخلاق الشريعة الاسلامية في مكافحة جرائم الفساد الاداري والمالي والتي من اهمها العمل على تنمية الوازع الإيماني في الولاة والرعية ثم تولية الاصلح قدر الاستطاعة. فأن اجتماع القوة والأمانة في الناس قليل، يقول عمر رضي الله عنه ” اللهم أشكو اليك جلد الفاجر، وعجز الثقة”.
كما ان من اسباب انتشار الفساد عدم تطبيق نظام العدالة ,ووجود القصور بالقوانين الصارمة لمكافحة الفساد، بذلك يجب أن تكون هنالك رغبة صادقة لدى المسؤولين باستئصال الفساد الإداري من خلال دواء يكافح انتشارها.
كما تعتبر الرقابة من أهم وسائل مقاومة الفساد الإداري لمعرفة مواطن الخلل وتصحيحها، وهذه الرقابة تأتي بصورة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقد قال تعالى: (الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ) [27] . إن للرقابة دور هام في الردع لضعيفي النفوس. ويجب التوعية بأضرار الفساد الإداري وضرورة الإبلاغ عن المفسدين والمقصرين في عملهم الوظيفي، وعن مخالفة القوانين والأنظمة والتجاوز على القيم والأخلاق الكريمة، خاصة إذا كان اغلب المفسدين هم ممن يتحملون المسؤولية في المواقع القيادية في مؤسسات الدولة، وهم من العناصر المفسدة والمرتشية، يسرقون المال العام.

وختاما فأن الفساد الإداري آفة عالمية لا تقل خطورة عن أي آفة مهلكة أخرى، وتمثل أكبر معوق للتنمية الاقتصادية والأداء الإداري في أي مجتمع من المجتمعات ومن ضمنها المجتمع الإسلامي لذا يجب أن تتضافر الجهود وتتاح كافة الإمكانيات المادية والبشرية للحد من هذه الآفة المدمرة من خلال تحديد الخلل المسبب والمتمثل بإتباع الشهوات والزلل والانحراف عن الخط المستقيم.

كتبه :
ابراهيم بن حمد عبدالله السعيد
كلية العلوم الاجتماعية والادارية
جامعة نايف العربية للعلوم الامنية


1 التعليقات

    1. 1
      د. لمبروزو

      رايت العنوان بالصدفه وجذبني لقرائته

      كل حرف من هذا المقال ينقل لنا وصف حالنا مع وباء الفساد والذي عجز عن اسئصالة الطب التنظيمي.

      شكرا اخي ابراهيم ونتطلع لجديدك .

      (0) (1) الرد

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *