ساعةُ المخاض ورائحةُ.. (الحلبة)


ساعةُ المخاض ورائحةُ.. (الحلبة)



تسعةُ أشهرٍ وأنا أسبحُ في بطنِ أمي ، حتى أيقظني المخاض!

لا أدري هل أيقظني أو أنا أيقظته؟
ولدتُ مقلوباً على رأسي ، ربما كي أرى الأشياء المقلوبة بشكلٍ جيد ، اخرجتني وألتقفتني يدٌ مُتجعدة أولُ ما سمعتهُ صوت أساورها،
رأيتها إمرأةً عجوز صوتها (مُحشرج) تفوح منها رائحةُ الحناء والحلبة
كانت تهللُ وتكبر، لا أرى شيئاً إلا وشماً على جبينها وزاوية من سقف الغرفة
وقتُها لا أملِكُ شيئاً إلا البكاء والحرية… وبقايا من حبلٍ سرّي
ظننتُ أنني أول مولودٍ لأُمي حتى سمعت العجوز وهي تقول (يُشبهُ أخاه)
أبكي بصوتٍ عالٍ وهم يضحكون حتى ظننتُ أنهم يضحكون لبكائي أو أنهم يضحكون على عورتي!! لا أدري هل كان بكائي خوفاً على حريتي أم هو إدراكٌ مبكرٌ لما سيحدث !!
لماذا أبكي ؟؟ أو لماذا لا أبكي؟؟
بعدها جربت السكوت.. سهمٌ باردٌ يجتاحُ رئتي وأصواتٌ غريبٌ لم أسمعها من قبل!!
لا المكان مكاني ولا الزمان أيضاً.. لا أحد يُشبهني
حملتني العجوز بعد أن غسلتني (وكتفتني) في لحافٍ أبيض.
صوتٌ (رخِيم) يُؤذن في أُذني .. ويُقيم في أذني الأخرى
خطر في بالي أنهم سيُصلون علي!!
يا ترى هل هي ساعةُ ولادتي أم ساعةُ موتي!!
حملتني ووضعتني بجانب امرأةٍ منهكةٍ متعبة هي الوحيدة من بين الحضور التي تبكي مثلي… الفرق أنها تبكي فرحاً.
نعم عرفتها (أُمي) شممتُ رائحتها أو بالأصح شممتُ عِطرها
كنتُ لا أشم بل كنت أرى رائحتها (رائحتها تملأُ المكان)
عُدتُ ثانيةً للبكاء تضامناً معها أو ربما لأنني جائع.
من بكائي عرفت حاجتي ومن بكائها عرفتُ حاجتها .
ألقمتني ثديها.. سائلٌ ساخن ينزع الخوف ويُغيث الجوف
يرطبُ المكان ويبثّ حياةً جديدةً في جسدي.
من أول قطرةِ من حليبها عرفتُ أن أول الغيث قطرة ، وأول القطرة غيث
هي الغيمة التي تحضر كُلما حضر اليباس ، هي الأرض التي كل فصولها ربيع ، وكل ربيعها فصول ، هي فصلُ الربيع الذي أعجز الخريف ، هي المدرسة التي أعتز (بشهادتها)…
منذَ ذلك الحين وأنا أدعو لأمي
ومنذُ ذلك الحين وأنا أدعو لتلك العجوز التي كُلما رأيتُها
تذكرتُ صوتَ أساورها… وساعةَ المخاض… ورائحةَ الحلبة،،

بقلم/ فريد المحيميس


6 التعليقات

إنتقل إلى نموذج التعليقات

    1. 1
      هذيان

      مهما أطال الفريد بإبحاره في عرض بحر الحياة إلا أنه لا يلبث أن يعود إلينا بعد غوص بأعماقه .. دام الإبداع فخوراً بك

      (0) (0) الرد
    2. 2
      عقل الضميري

      هذا درس في الجمال ، لكنه ليس للصفوف الاولى .
      شكرًا وعتابا ،
      شكرًا لما قلت وعتباً لِمَ تأخرت ؟

      (0) (0) الرد
    3. 3
      أبو مروان

      مبدع ياأبو عادل .. وننتظر القادم ??

      (0) (0) الرد
    4. 4
      مشرف المحيميس

      أهلاً بك شقيقي وأبارك لك ومنك وعليك قولك ومقالك الجميل الأول العاهل فكما شَممتَ رائحةَ الحِلبة شَممتُ أنا رائحة الرواية في سِياق إسلوبك ومفرداتك , بالتوفيق .

      (0) (0) الرد
    5. 5
      مشرف المحيميس

      اهلا بك وأبارك لك ومنك وعليك قولك ومقالك الجميل الأول العاهل . وكما شَممتَ رائحةَ الحِلبة شَممتُ أنا رائحة الرواية من سِياق إسلوبك ومُفرداتك . بالتوفيق .

      (0) (0) الرد
    6. 6
      شوق

      ????
      جمييييييييييل حد الألم جميييييييييييييل
      ي روق ‘رق’

      (0) (0) الرد

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *