الجوف سياحة الشتاء والصيف


الجوف سياحة الشتاء والصيف



وراء كل نجاح عظيم إدارة، مثلما أن وراء كل فشل ذريع إدارة أو سوء إدارة أو غياب إدارة. البسطاء منا يربطون النجاح بالإعلام، والساذجون يربطون الفشل بالاقتصاد. لكن هؤلاء وأولئك لا يتصورون ربما أن وراء الإعلام والاقتصاد إدارة أيضا.
فرق كبير بين إدارة «ما نرى»، وإدارة «ما وراء ما نرى». إدارة «العربة» وإدارة «الحصان» كل على حدة شيء، وإدارتهما معا كفكرة قبل التطبيق شيء آخر.
أكثر مؤسسة حكومية تفكر وتعمل «خارج الصندوق» في تصوري هي الهيئة العامة للسياحة والتراث الوطني لأسباب ربما يتعلق بعضها بطبيعة المنتج السياحي ولأسباب ربما تتعلق بعضها الآخر بالكيمياء الإدارية في الهيئة.
لا أعرف من هو صاحب فكرة تحويل «سوق» عكاظ التاريخي إلى سوق عكاظ كمناسبة ثقافية سنوية خلال السنوات القليلة الماضية وهي فكرة خلاقة. كما أنني لا أعرف من هو صاحب فكرة تحويل سوق عكاظ «الثقافي» إلى مدينة عكاظ «السياحية».
ليس مُهما عدد المراحل المفاهيمية والتاريخية وحتى الجغرافيا التي مر عبرها ومن خلالها «عكاظ» كقيمة حضارية وثقافية أدبية تجارية سياحية بتنقلاته وتحولاته، المهم أن تجد «عكاظ» هويتها وقيمتها العصرية الاقتصادية والمعنوية بما ينسجم مع رمزية «عكاظ» التاريخية والجغرافية والحضارية وبما يضمن ديمومتها واستمراريتها.
الحقيقة أن ما نشرته الصحف الأسبوع الماضي عزم الهيئة العامة للسياحة والتراث الوطني العمل على مشروع تطوير مدينة عكاظ على خلفية سوق عكاظ والذي ينبثق عن مبادارات الهيئة لبرنامج التحول الوطني، والذي أقره مجلس الوزراء لتطوير عدد من الوجهات السياحية. وهذا الحدث يعد بمثابة زواج بين الثقافة والسياحة. هي ليست المرة الأولى التي تتقدم بها الهيئة بمشروعات مشتركة تمزج ما بين السياحة ونشاط آخر أو نشاطات أخرى، للهيئة نشاط يزاوج بين السياحة والآثار في مدينة العلا، ولها ما يزاوج بين المناسبات الزراعية الموسمية والسياحية في الجوف وفي القصيم وفي جازان وتبوك والأحساء وحائل ولها بما يضمن التنسيق بين المنتجات الحرفية والشعبية والسياحة، وللهيئة دور للمزاوجة ما بين السياحة والمناسبات الدينية كالحج والعمرة، وما بين السياحة والمناسبات الثقافية والأدبية مثل معرض الكتاب في الرياض وفي جدة وغيرهما.
لفت انتباهي أخيراً في زيارتين قمت بهما للأهل في منطقة الجوف حجم النشاطات المتزايد والمتنامي ذات الطابع السياحي المشترك مع نشاطات أخرى في المنطقة.
هنالك مناسبات زراعية ذات علامة موسمية خاصة مثل مهرجان الزيتون والتمور وغيرهما في المنطقة. كما أن هناك خطى حثيثة لتحويل المعالم الأثرية في حصن مارد وقلعة زعبل إلى أماكن سياحية غير مغلقة، من خلال فتحها للارتياد اليومي للمقاهي والمطاعم والمتنزهات التي كانت عصية على الزوار والسواح من المنطقة ومن خارجها.
يبدو أن الهيئة العامة للسياحة والآثار تتمتع بعلاقات ممتازة مع مختلف المؤسسات الحكومية جعلتها في مقدمة المؤسسات التي نجحت بتسويق منتجاتها والاستحواذ على الفرص المثمرة للمجتمع ككل وقطاع السياحة على وجه التحديد.
المؤسسة الوحيدة التي لا يبدو أن لها علاقة جيدة مع الهيئة العامة للسياحة والتراث الوطني هي الهيئة العامة للرياضة، والتي يبدو أنها تغرد خارج السرب، ولا تريد السياحة إلا في لندن.
في الجوف توجد أكبر بحيرة في الجزيرة العربية، وأصبحت تستقطب العديد من الرياضات البحرية والمسابقات المائية التي لا تتكرر ولا توجد في أي منطقة من مناطق المملكة غير البحرية، وهذا يتطلب من الهيئتين السياحية والرياضية العمل على النهوض بهذا القطاع لتطويره والتوسع بمفهوم السياحة المحلية، بما يضمن خلق فرص عمل وفرص استثمارية أكثر وأكبر للشباب في منطقة الجوف.
هيئة السياحة والتراث الوطني هي المهيأة للقيام بهذا الدور لما تملكه من إدارة مختلفة وخبرة ورصيد معرفي وعلاقات جيدة في تفعيل المؤسسات بإقامة وتوسيع مشروعات سياحية مشتركة مع مؤسسات وقطاعات أخرى في الجوف، يأتي في مقدمتها تطوير بحيرة الجوف، ونزع ملكية قلعة زعبل وحصن مارد بالكامل لصالح المستثمرين من الشباب، وبناء مدينة دومة الجندل السياحية الثقافية ودراسة التوسع بمهرجان الجوف للزيتون وبقية المهرجانات في المنطقة.
من المهم في هذا السياق، أن تفكر هيئة السياحة جدياً بالسياحة الشتوية في منطقة الجوف وربما في غيرها فهناك الكثير من المقومات التي تجعل دراسة الفكرة ذات جدوى، مثل «التخييم» وسباقات «الطعوس» وإقامة الفنادق والمنتجعات والمساحات الخضراء في قلب النفود، ناهيك عن إقامة المساكن تحت الرمل.
أخيرا، لنجاح السياحة والثقافة والرياضة والفنون في أي منطقة، من المهم عدم إقحام وزارة البلدية والقروية، في الفنون أو ما يتعلق بالذائقة الفنية والذوق العام، فليس لديهم ما يقدمونه في هذا المجال.

عبداللطيف الضويحي


أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *