الجوف.. نافذة على التاريخ


الجوف.. نافذة على التاريخ


هي الجوفُ في الأرجاءِ فاضَ جمالها ..
بديعاً ، و ذا التاريخ يحكي فصولها

فذا مسجدُ الفاروق ، ذا زعبلُ الهوى ..
يقولان للدنيا محالٌ أفولها

هكذا أصافح “جوفي” بعد غياب، كلما أبعدتني عنها تقلبات الحياة، أعود لجوف الميلاد والأجداد، ألثمُ الثرى شوقاً ، أتنشّقُ هواء الحُب المبثوثِ في رمالها ، أبللُّ حنجرتي المُتعبة بمائها، أريحُ عينيَّ بضوءِ حضارةٍ ممتدةٍ في عمق الذاكرة البشرية، أجدُ في روحي اتساعاً كلما سُئلتُ _في كل ارتحالٍ يأخذني عنها_ عن زيتها الزكي، عن مسجد الخليفة الثاني الأجل، أو عن تلك القلعة الشاهدة بشموخ ، أعانقها من جديد فتقرُّ روحي .
أقفُ أمام “قلعة مارد” فأعودُ للوراء قروناً سحيقة ، حيث القرن الأول للميلاد ، ها أنا أقف بين يدي “الزباء” التي تُصادق على عظمة المكان و عرامة الإنسان بقولها ” تمرد مارد ” .*
و على مقربة منه و في رحاب مسجد عمر بن الخطاب يأسرني الجلال فيأخذني لذلك العصر الأنصع ، ينثالُ ضوء النبوة و التضحيات ، من هنا مرّ أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام.
و هناك “زعبل” الحصن الذي لاصق مخيلتي باكراً فأسرفتُ في التحليق و التحديق في أسراره، وهاهو يأخذني إلى عهودٍ و عصور كلما صافحته ، فيه تتجلى المِنعة و القوة والإباء بأيدٍ من قوية أمينة كانت فأبقت للقادمين هذا الرمز العتيد.
بئر سيسرا ، الرجاجيل وغيرها الكثير من المعالم التاريخية التي تخوّل الجوف لأن تكون في صدر المناطق الأثرية والسياحية في المملكة ، و ها هي تخطو خطواتٍ واثقة نحو ذلك مع تزايد الرعاية الاعتناء بالآثار و تحسين مرافقها الخدمية و الترفيهية و إنشاء الجديد منها .
ولقد كانت زيارة صاحب السمو الملكي الأمير سلطان بن سلمان _الرئيس العام لهيئة السياحة والتراث الوطني_ للمنطقة علامةً فارقة لتؤكد على الزخم الإنساني والتاريخي والسياحي للمنطقة و امتداد الدعم العميق لمعالم هذه الأرض.
ليتنا نقف مع نبض هذا التراب ، نقول للبعيدين و الآتين إن هذه الأرجاء تتحدث بلغة العراقة والأصالة و النُبل ..
علّموا أولادكم أن جدران الطين خرائط لا تُمحى من ذاكرة التاريخ و الحاضر و القادم الجميل بإذن الله.

كتبته: ملاك الخالدي
…………………………………
*الملكة الزباء (ملكة تدمر في القرن الثالث الميلادي) قالت مقولتها الشهيرة: (تمرد مارد)، حين عزّ على جيوشها الاستيلاء على قلعة مارد


أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *