ليلة مقتل الرميصية


ليلة مقتل الرميصية



مقدمة:
بعد وفاة أبي رحمه الله أخذت أفتش في ذاكرتي عن مواقف من حياته قد تساعدني على الاستئناس بإجابةٍ عن سؤالٍ سيطر على تفكيري يقول: ترى ما فعل الله بك يا أبتاه؟
كثيرة هي مواقفه رحمه الله، فقد كانت حياته مزدحمة مثل شوارع بكين، وهذا على العكس تماما من حياتي التي لم تعرف الزحمة إلا كما عرفها تقاطع للقوافل في مسلسل تاريخي هابط.
للأسف – أو ربما لحسن الحظ – ليس لدى غوغل محرك بحث استطيع ربطه مباشرة بذاكرتي، وليس عندي فهرس بالمحتويات؛ ولذلك.. الذكرى تستدعيك ولا تستدعيها. وهذا بالضبط ما حدث معي حين تذكرت هذه القصة التي لم أحدث أحدا بها من قبل، فقد محيت تماما من ذاكرتي ولم يحدث لها استعادة (ريكفري) إلا في اليوم التالي من وفاته رحمه الله، حين فجأة سطع في ذهني مشهد تلك الدمعة، لتتوالى بعدها المشاهد وكأنهن على خط انتاج.
مرابع الطفولة:
حدث هذا في بداية سبعينات القرن الماضي، حين كنت لا أعرف من هذا العالم إلا سهل واسع – كصدر أبي – فيه بيت شعبي، بجواره إلى الشرق بستان، وتحيط به الصحراء من كل الجهات؛ فكأنه واحة على المريخ.
يقع هذا المكان إلى الشرق من مدينة سكاكا. وكان أقرب تجمّع سكاني والمعروف بحي (اليابس) يبعد عنه أكثر من ميل. فكنت أستطيع رؤية قمم النخيل من مكاني هذا وهي تُلوّح لي بالأفق كأنها أعلام مدينة الملاهي الخضراء، لكنها كانت تبدو بعيدة جدا في عيون طفل، وكأنها في أفق البحر.
وهكذا، كانت العزلة محتّمة علي. لكن – للأمانة – لم تكن المسافة هي المسؤول الأول عنها بل كان شيء آخر. كان هذا الشيء يعتبر بلا منازع الخطر الأكبر الذي كان يتهددني ويفرض علي دائما اللعب بدائرة نصف قطرها حوالي 100م حول البيت، وعدم تجاوزها تحت أي ظرف من الظروف إلى الأراضي المحرمة بعدها؛ أراضي حمار القايله.
كان المكان جديداً وكان نظيفاً، وكأن اهلي قد نزعوا الكيس عنه للتو. وكانوا قد انتقلوا إليه وانا في قرابة الرابعة فكنت أركض مع السيل لا أخشى الزجاج المكسور ولا الاسلاك المتلوسسة ولا علب المرطبات ولا المركبات المستعرضة ولا أي نوع من النفايات.
مضت أكثر من أربعة عقود ولا زلت أذكر رائحة ذلك الصباح المثير حد الهلوسة والذي شاهدت فيه للمرة الأولى تلك الشلالات والسيول وهي على رأس العمل.
كان إلى الشمال وإلى الشمال الغربي من البيت هضبة كبيرة تحتضنه وكأنها منجل نصله باتجاه الغرب. وكان فيها أربع شلالات منفصلة عن بعضها. وكان واحد منها يرتفع قرابة الثلاثة أمتار ويبلغ عرضه حوالي المترين. فكان شكل الماء وهو ينساب منه برقة والشمس تلمع عليه مع لونه الأصفر المائل للحمرة قد بدا وكأنه شعر ناعم أشقر؛ منسدل على الظهر؛ وملتفة أطرافه قليلا إلى الأعلى. كان هذا شلال (إنجل) الخاص بي والذي كنت أقف تحته وأنا لا أخاف أن يسقط علي مظلي أو جيب ربع.
كنت لا أفعل في حياتي تلك – وربما لا زلت – إلا شيئان؛ إما أن أكون نائما أو أن اكون لاهيا؛ وهذا الأخير كان له اسم آخر أكثر دقة عند أهلي إذ كانوا يسمونه التخريب. وهذا التخريب رافقني في بقية حياتي لكنه بدل أن يكون في ممتلكات أهلي أصبح في نفسي.
أبي العجيب:
رحم الله أبي؛ كان لا يخاف علي من شيء أكثر من الغباء. فكان يحضر لي معه من أسفاره هدايا كانت تبدو من كوكبٍ آخر في ذلك الوقت. بل هو نفسه كان من كوكب آخر؛ كان كالبندقية أمام الرمح، وكقرص الدواء أمام دُخان الكاهن، وكالبشارة أمام الخيبة.
كان جريئا كالتسونامي لا يوقفه شيء، وكان رقيقا كالغمامة تحركه نسمة. وكان – بفضل الله – محبوبا إلى درجةٍ حرقت (كرتي) عند اصدقائي الذين التقوا به؛ فكلهم أحبوه أكثر من حبهم لي؛ والبعض (سلحني) واكتفى بأبي.
كنت قد ناهزت السادسة من عمري حين أخرج لي من متاعه تلك الهدية. كان أول ما رأيت اللمعة؛ لا.. بل كانت لمعتان؛ لمعة الهدية ولمعة إبتسامة أبي رحمه الله. كان كلاهما يلمع أشد من خنجر سلطاني. لكن في النهاية انتصرت لمعة الهدية فصرفت لها كل انتباهي.
كانت عبارة عن مسدس هواء فضي قد بدا وكأنه مسدس ماغنوم بسبطانة طويلة ومطلي بالنيكل. لقّمه امامي وأطلق ثم ناولنيه وقال: (جرب؛ هل تستطيع تلقيمه؟)
كان نابض المسدس اقوى من كل عضلاتي مجتمعة، فكنت وانا احاول كسره ابدو كمن يحاول كسر ماسورة حديد على فخذه. ثم في النهاية – وبعد أن حشرته بيني وبين الجدار – تمكنت منه. فانطلقت به إلى البستان انطلاقة مواطن نزل قرضه.
البغدادي بالبستان:
سيبقى البستان الذي استبدل جداول الماء بأنابيب البلاستيك يقدّم ثماره، لكنه لن يمنحك ذلك العبق وتلك الرطوبة وذاك الخرير. لن يمنحك ذيّاك المذاق الذي كنتَ تجده في (الملقاطه). لن يمنحك ذكرى أمك وهي تفتح الماء بالجدول وتجعلك تسابقه. ولن يمنحك ذكري كل تلك العصافير التي كانت تتواجد في كل مترٍ مربع منه وكأنها هي الزرع. وهذا الزرع هو كل ما كانت تحتاجه (حصّادة) أبي رحمه الله.
فقط قال لي :(إنتبه)، ثم تركني انطلق به للبستان، وهناك على الفور(تدعشنت) وبدأت بإطلاق النار على من عاهدت وعلى من لم اعاهد من تلك العصافير البريئة حتى جاءها الفرج. فبعد ساعة نفذ مني الخردق وأصبح المسدس (فشنق) عديم الجدوى، وكأنه مسبحة في يد بشار.

في ذلك الوقت.. كانت فرص الحصول على نيزك من حلقات زحل أكبر بكثير من فرص الحصول على علبة خردق جديدة. فضاقت بي السبل وشعرت بالهزيمة ثم فجأة وقعت على حبة بامية جافة.
تناولت الحبة ثم لم أحتج للكثير من الذكاء كي أفهم إنها بنفس حجم الخردق وأنها صلبة. وحين جربتها كانت تفي بالغرض تماما، وكانت بالطبع متوفرة، فاستأنفت حملة الإبادة والتصفية.

اقترب المساء وأنا لم اصطد شيئا، فمحاولة التصويب بهذا المسدس على تلك الكائنات الصغيرة التي لا تتوقف عن الحركة يشبه محاولة التصويب على هدف اثناء الجلوس بحوض (جيب) يمشي بطيئاً على (البطناج). ثم ازدادت الأمور سوءً حين بدأت هذه العصافير ترحل شيئاً فشيئاً؛ وحينها هممت بأمر سوء.
النزيل الغامض:
كان إلى الشمال الشرقي من البيت تل مستدير كأنه (الزير) يبلغ ارتفاعه أكثر من عشرة أمتار. وفي الجهة الجنوبية من هذا التل غار، وكان بالغار شيء يميزه عن باقي الغيران التي كانت تحاصرني وكأنني في فلم (ترانسفورمرز) حجري.

كان أبي كثيرا ما يتمثل ويردد – وخصوصاً بعد نكباتي – قول القائل: (نرفا خماله رفية العش بالغار .. ونودع له النفس القوية ضعيفه)، وكان رحمه الله يقول : (من لم يشاهد كيف يحتضن الغار العش ويستره لن يفهم مدى روعة هذا البيت). وبالفعل.. فقد كان في سقف هذا الغار عش بعيد المنال.
كانوا في ذلك الوقت يتحدثون عن وصول الإنسان للقمر فالخبر ما زال (طازه)، أما أنا فكان حديثي عن كيف سأصل إلى هذا الساكن بهذا الغار؟ لكن.. قبل أن اكشف سره علي أولا أن استعرض تاريخي السيء مع هذه العصافير التي لو كانت من أهل السنة لكانت طفولتي هي طفولة حسن نصر الله.
الحاجة أم الإختراع:
في ذلك الوقت لم يكن يوجد حولي من التقنية إلا ثلاثة أشياء؛ ثلاجة تعمل على الغاز لكنها للأسف لم تكن تعمل إلا كخزانة. ومذياع أبي الذي كان لا ينفك يتحدث، فكنت لا استمتع معه بشيء إلا حين اسمع دقات ساعة (بغ بن) التي كانت تُثيرني أكثر من النشرة، فكنت ادلدل رأسي مع الدقات كما يفعل (النغري) مع مرآة السيارة. وشيء ثالث أكثر تعقيدا بكثير من الخزانة ومن مذياع أبي ومن كل ما كان يوجد في جزيرة العرب حينها.
خيال الطفل يفرض عليه أن يعتبر كل ما يراه ملكه، وهذا ما جعل طفلة أخي تقول لي يوما: (يا ويلك تقول إن البَر حق الله). وهذا تماما ما كان بيني وبين هذا الشيء. كان هذا الشيء يمر من فوق رأسي كل ليلة يوم كانت امي تضع مضاجعنا بالفناء، وكانت السماء التي فوقي لم تعرف بعد التلوث الضوئي؛ فكنت أنام وأنا أنظر إلى تلك النجمة التي تمشي مسرعة بين النجوم والتي أخبرني عمي انها من صنع الإنسان، وأن اسمها هو (سكاي لاب)؛ ونعم.. كان سكاي لاب أحد أشيائي؛ فإياك أن تقول أنه لأمريكا.
هذا كل ما كان حولي إذا استثنينا (ددسن) أبي و (دباب) عمي و (ماطور) البستان. ولأني مثل باقي الأطفال بحاجة للعب وليس حولي أطفال، ليس حولي إلا حمار القايله، فأبناء عمومتي كلهم مع اعمامي بالخفجي؛ وأختي تحبو والأخرى رضيعة؛ فكان محتما علي أن اخترع وسائل لهوي.
فبدأت بمضغ أي شيء قابل للمضغ؛ ثم حين لم يبقى أمامي إلا أن اتحوّل إلى (كوالا) على (كينة) بدأت بكسر أي شيء قابل للكسر؛ وحين لم يبق إلا أن أحوّل المكان إلى مقلع حجارة، بدأت بتسلق أي شيءٍ قابل للتسلق بما في ذلك ظهور غُنيمات جدي وجدتي رحمهما الله. لكن متعتي الحقيقية كانت بشيءٍ آخر.. شيء كان أكثر جدية من مجرد امتطاء صهوة عنز.
الطرف الخامس:
حين أفكر بأمي حفظها الله وبكل تلك الأشياء الجميلة التي صنعتها لي وأنا صغير – ومازالت – ثم أفكر بكل تلك الأشياء السيئة التي صنعتها لها وأنا كبير أصل دائما إلى طريقين؛ إما الانتحار أو الانتحار. لكن ابتسامتها تدركني؛ وكأن ابتسامتها تعتذر لي عندها وتقول: (لا بأس عليه؛ فعلى الرغم من أنه قد ناهز الخمسين إلا أنه بطريقة أو بأخرى لا زال هو نفسه ذلك (الوغَد) اللاهي والذي لا زال يغرق بقطره ولا يجيد تصفيف ما بقي من شعره).
في ذلك الزمن الغابر كانت أمي هي من يسقي البستان لكنها لم تكن مجرد شخص يفتح الماء بل كانت أكثر من ذلك؛ لقد كانت حقاً تفهم المكان وتنتمي إليه. باختصار.. كانت أمي النخلة التي تغادر البستان وتعود إليه متى شاءت، وهذا لا يعني أبدا أني كنت الفسيلة التي تتبعها ولو وددت ذلك.
وكانت أمي تتمتع بمهارات تخدم البستان لكني لم اكن مهتما إلا بمهارةٍ واحدة. كانت أمي ماهرة بصيد العصافير.. فكانت تمسكهن ببساطةٍ وكأنها تستخدم التنويم المغناطيسي. فكانوا في ذلك الوقت يتحدثون عن سرعة لكمة محمد علي كلاي أما أنا فكنت أتحدث عن سرعة قبضة أمي.
حتى الآن.. لا زلت اتذكر جيداً بريق أساورها وهي تناديني وتشير بيدها إلى الرمانة. وحين انطلقت كالصاروخ فوجئت بالعصفور ينتظرني أسفلها وقد ربطت أمي ساقه بساق الشجرة.
كم كانت دهشتي كبيرة حين رأيته! كان أكبر من كل العصافير التي خنقت قبله. كان لونه الأعلى رمادي وجزءه الأسفل أحمر!. يا إلهي! كم كان جديدا رغم أن أمي لم تخرجه لي من علبة كرتون! وأظن المسكين كان مهاجراً قبل أن يسقط في ثقبي الاسود.
حتى هذا الوقت كنت لا احظى بعصفور إلا عن طريق أمي، لكن كل هذا كان على وشك أن يتغير بعد أن وصلتني هدية غير متوقعة من أمي.
أعطتني أمي فخاً ودربتني عليه فتمكنت منه بسرعه. وعلى الفور أصبح هذا الفخ طرفي الخامس. وكان هذا هو كل ما ينقصني لكي افتح على العصافير أبواب الجحيم وافعل بهم أكثر مما فعلته الجرذان بـ (كيوي) نيوزيلندا.
مع ذلك الفخ اصطدت تقريبا كل الأصناف باستثناء تلك الأصناف الكبيرة التي كانت لا تعرف فخاً غير (شوزن) عمي؛ وباستثناء طبعا ذلك الساكن بالغار.
الجارة:
كان هذا الذي بالغار حذرا بمعنى الكلمة. ولا أدري هل كانت العرب تعنيه يوم قالت: (كن أحذر من قِرِلاّ)؟ وليت المسائل توقفت مع قرلا؛ لكنه كان أيضاً نادر الظهور وكأنه الممثل البريطاني دانيال لويس.
كان أكثر ما يشدني إليه منقاره.. نعم منقاره! كان منقاره مختلفٌ تماما عن كل مناقير تلك العصافير التي فتحتها وهي تستغيث مني. كان معقوفا بشدة إلى الأسفل وكأن أخواله من طيور استراليا. وحين سألتهم عن اسمه قالوا هذا أحد أجمل شركاء الحياة هنا، هذا هو (الرميصي)، والذي فشلت تماما في بحثي عن اسمه العلمي.
نعم.. كان بالغار (رمصيصة) جميلة كان حظها العاثر قد اعثرني عليها. كان رأسها مع منقارها الوردي المعقوف قد جعلها تبدو وكأنها تعتمر قلنسوة رومانية. وكان أبي يعلم بأمرها لأني كنت أعمل مراسلا لها ولأني أخذته في مرة على مقربة منها، وكان بالطبع يوصيني خيرا بها.
كانت تلك (الرميصية) قد اعتادت على وجود هذا المخلوق – شبه العاري – معها بالغار، فكانت لا تطير منه، ولم يخطر ببال المسكينة حينها أنها كانت تتشارك الغار مع زومبي. ربما لأنها كانت تنظر لحجمي وحجم الغار فتشعر بالأمان، لكن كل هذا سيتغير مع الطرف السادس.
الشيطان الاول:
وقفت ذلك الأصيل مع مسدسي الفضي بالبستان مثل حارس محمية فقد عقله. وقفت.. وكنت كلما فشلت باصطياد عصفور جاءني شيطاني يقول لي: (هذا بعيد عليك ولن تصيبه فدونك (الرميصية) بالغار قريبة ولا تتحرك كأنها النيشان.

قاومت تلك الفكرة الشيطانية مقاومة الطالب الكسول لفكرة الغياب وهو مازال في فراشه، ثم في النهاية ذهبت.. نعم ذهبت بعد أن تحججت بحجة أني لن أجدها – فلطالما كنت شاطرا بالحجج – لكني وجدتها، وأين عساها تذهب؟ فهي ليست مدعوة عند مجانين في مهرجان (مزايين).
فارتقيت حينها بزهو على تلك الصخرة في جنب الغار والمسدس بيدي وكأني قد ارتقيت على صدر (قاسم سليماني)، ثم أخذت أنظر إليها وكانت تنظر إلي.
يقولون: (لا تنظر في عين شيء تريد قتله) لكني في تلك اللحظة لم اجد الشفقة فقد كان للمسدس سكرة، وكان الأدرينالين يعمل بي عمل عقار (إل إس دي)، والفضول أجهز على ما بقي من العواطف حتى أصبح قلبي في تلك اللحظة أبرد من (هنقرٍ) في الشتاء. وأصبح الوضع لا يُقاوم.
ومرة أخرى تحججت بحجة أني لن اصيبها، فهذا المسدس لا يصيب إلا الهواء. وعندها رفعت السلاح وصوبت بكلتا يدي عليها واغمضت عينيّ وأطلقت رصاصة البامية. وحين فتّحت.. كانت (الرميصية) جثة هامدة على أرض الغار.
ساد الصمت إلا من وصوصة صغارها التي أصبحت في أذني أقوى من صراخ أختي الرضيعة. فتسمرت على صخرتي انظر إليها وقد تقاسمني الخوف والحماس وأصبحت الأفكار تتزاحم على بوابة عقلي الصغير؛ ثم بعد برهة قفزت من على الصخرة وتقدمت نحوها وجلست القرفصاء عندها.
لم تدري المسكينة ما حل بها فقد أزالة رصاصة البامية مؤخرة رأسها. حملتها بيدي أتأملها وكانت لا تزال دافئة. تأملت منقارها الجميل، فردت جناحها الصغير، هززتها مع ساقيها، لكن لا حياة، وكأنها تجلس على كرسي في جامعة الدول العربية.
بداية الندم:
بالطبع.. لم تكن تلك جريمتي الأولى مع تلك الكائنات إلا أن كل الجرائم السابقة كانت أقرب للحادث منها للجريمة. أما (الرميصية) فكان وضعها مختلف تماما مثلما كانت هي نفسها مختلفة تماما. كانت تلك هي المرة الأولى التي اقتل فيها مع سبق الإصرار والترصد، وليت المشاكل وقفت هنا ولكن كانت النكبة الحقيقية في أني قتلتها وقد أوصاني أبي أن لا أؤذيها أو حتى ازعجها. فكان أبي هو كل المشكلة.

غابت الشمس وبدأ الظلام يزحف كأنه تنين كومودو، فتخلصت من الجثة وعدت إلى البيت وكأن شيئاً لم يكن، ثم لم ألتقي بأبي حتى جاء مساء اليوم التالي.
قلب أبي:
رحم الله أبي؛ فقد ضرب الأرض كثيرا، وهذا – أيضاً – على العكس من حياتي التي لم تعرف الضرب إلا مع الأعداد.
جاء أبي في مساءٍ اليوم التالي متأخرا من شغله على عادته. وكان يجلس في الليوان على ضوء السراج يتناول غداءه مباشرة من الطاسة والمذياع يعمل جنبه. فوقفت على مقربة منه احاول انتهاز فرصة أخبره فيها عن حبوب البامية. فكنت كلما قلت: (يبه)
قال: (إش)
: يبه
: إش
: يبه
: إش
حتى انتهت النشرة، وحينها أخبرته فقال:(بس يمكن يسدّن الماسورة)
فقلت على الفور: (بالعكس يبه طخيت بهن الرميصية) .. ولم انتبه إلا والكلمة قد تجاوزت نقطة اللاعودة.
فتغير وجه أبي على الفور وأعاد علي ما قلت، فهززت رأسي بنعم، وفجأةً اغرورقت عيناه بالدمع وقال : (كيف تقتلها يا بُني وفراخها تحتها؟ لماذا على الأقل لم تخبرنا؟ فمن لهم يطعمهم من يوم أمس؟). ثم نفض يده بالطاسة وقشط ما علق بها على حافتها ونهض وهو ينادي على عمي ويقول:
(منصووووور.. هات التريك وتعال).

فانفجرت بالبكاء وتبعتهما إلى باب الفناء، وهناك وقفت مع خيبتي أفرك عيوني واختلس النظر إلى مشية أبي وعمي في تلك الظلمة باتجاه الغار وضوء (التريك) يحيط بهما وكأنهما في وسط هالة من السماء.
تابعت البكاء قليلا ثم جاءت أمي وأخذتني إلى صالة سكاي لاب، وحين بدأ العرض نسيت كل شيء وغرقت في النوم إلى أن استيقظت في صباح اليوم التالي لأبدأ مع قصة جديدة وضحايا جُدد.

كتب /
فهد عواد العوذة


2 التعليقات

    1. 1
      متأمّل

      سأبدأ بالنهاية التي أحسست معها أنني أتابع مسلسلا دراميا على قناة عربية ..
      فلا بد أن يكون للمقال بقية ستتحفنا بها لاحقا ..

      رحم الله والدك رحمة واسعة واسكنه فسيح جناته .. وأطال الله لك ولامك العمر ومتعكما بالصحة والعافيه .. وأدام عليك النعم ظاهرةً وباطنة ..

      كنت معك اتنقّل بين الأفنية و قد تملكني العجب من قدرتك على الجمع بين المتضادات ..

      وكنت ثالثكما في الغار ألما وحرقة .. فأنا ضد قتل العصافير عموما ناهيك عن أم في عشها فوق صغارها ..

      كنت تبحث في بداية المقال عما ينبئك أو يرشدك إلى ما آلت إليه رحلة أبيك الاخيرة رحمه الله ..
      وقد تركت لنا رسم السيناريو لما سيفعله أباك وعمك منصور .. فأسأل الله له رحمةً ترفعه إلى عليين ..

      سيدي ..
      كما أنت دائما .. تمزج بين المفردات و تجدد في التراكيب .. و تتجاوز المألوف بمراحل ..

      فلا عدمنا ورعاك ..

      أخوك الصغير ..
      @jaar34

      (0) (1) الرد
    2. 2
      abu nawaf

      اخي فهد

      هل درست في كلية ينبع الصناعية عام 1409 هــ تقريبا تخصص الكترونيات ؟ او تشابه أسماء

      (0) (0) الرد

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *