الفضيلة و السقوط


الفضيلة و السقوط



بسم الله الرحمن الرحيم

الفضيلة و السقوط

كثيراً ما أتساءلُ حول العلاقة بين التطور و التفسخ ! ، هل بالفعلِ ثمةَ علاقةٌ طردية بينهما بحيث أن ارتفاع أحدهما يؤدي لارتفاع الآخر أم أن المشكلة في فكرتنا عن التطور؟
ما يزال ذلك التساؤل يكبر في ذهني حينَ أقرأُ كتاباً لمثقفٍ يتنصلُ بإجحافٍ من تاريخه أو حين يلقي بمبادئه جانباً فتتحول حروفه إلى وحلٍ داكن ! ، و يصاحبني هذا التساؤل أنى أذهب و حتى حينَ أبصرُ الحياءَ يتساقطُ من على أذرعِ فتاة في محفلٍ أو منتزه!
أظننا نلحظُ تعاظم اتساع موجة فك الارتباط بالموروث و الانجذاب إلى المستورد الحديث بلا تمحيص ، كما أن مؤشر اضطراب السلوك بازدياد !
و لا ريب فالمسافة بين القيمة و الإنسان أصبحت أطول ، و فاعلية القيمة أقل ، نظراً لضآلة التفاعل معها و انعدامهِ في أحيانٍ أخرى .
لماذا ارتفع صوتُ المادة و خبى صوت الفضيلة ؟ بل لعلي أذهب إلى أبعد من هذا لأقول لماذا أصبحت الفضيلة منقصة و الرذيلةُ بكل أسفٍ مفخرة ؟!
ربما تكمن المشكلة في تصور الآخرين للفضيلة فهي في نظرهم ليست إلا جزءً من أفكار الإنسان القديم و عوامل استلابه و تراجعه ، أو أنها عثرة في طريق تطوره و تحديثه ، فهي في نظر الكثير أداة تـُعلي من العواطف و تعطل العقلانية و الموضوعية ، و هي رقيبٌ يفرض سلطته على الممارسة و التفكير و حتى الخيال !
و قد غفل أصحاب هذا التصور عن أن الفضيلة هي القاعدة الصلبة التي تحفظُ البناء من الانهيار ، و أن غيابها أو تغييبها يعني الانتظار على جرفٍ هار ! ، فحين تنعدم أو تتقلص ستتفشى أنماطٌ سيئة من السلوك تقومُ على إباحة الفرد لنفسه ما يشاء ، فلا رادع يمنعه عن الغش و الاحتيال و ممارسة الرذائل بكافة أشكالها ، و لا ريب بأن ذاك سينسحبُ على المجتمع ليصبح سمـَـتـََهُ التي لا تنفكُ عنه ، و بمقابل ارتفاع البنيان و تضخم الأموال و بروز أنماط من الرفاه و التمدن ثمة فراغٌ أخلاقي و قيمي كبير يفتك بكافة تفاصيل التعاظم المادي ! ، فزوال القيم المعنوية الإيمانية يعني انعدام قواعد و ركائز المجتمع المتحضر .
إن الفضيلة التي تقلصت للأسف ، هي الحافزُ و الحافظ للمجتمعات ! ، فهي القيمة و الفكرة التي ينطلقُ منها الفرد للبناء و هي المعززةُ لتوهجه ، و هي التي تعملُ على توجيه سلوكه وفق قاعدة صلبة في هامشٍ متسعٍ تتعددُ فيه الوسائل و تتنوع الأشكال و هذا بالتأكيد لا يعني تحرر الوسائل من القاعدة .
فالفضيلةُ هي الحافظ الأمين للفرد و المجتمع ، و إن اختلف المفكرون حولها فيما إذا كانت نسبية متغيرة أو مطلقة ثابتة فنحنُ سننطلق في تحديدها من التصور الإسلامي ، فنتفق أنها تلك القيم النابعة من العقيدة و الإيمان ، و يأتي القرآن الكريم مؤكداً على تواشج الفضيلة و البناء ، فلقد رسم لنا صورة الإنسان في أحسن حالاتهِ و أقومها و أكثرها إنتاجاً و عطاءً و إبداعاً حين ينطلقُ من قيمه الإيمانية و يضبط استعداداته و انفعالاته وفقها ، و يكون في أسوأ حالاته و أكثرها اختلالاً حين ينحرفُ عن تلكم القيم .
إذن سنخلص إلى أن الخلل السلوكي الناتج عن خللٍ قيمي ما هو إلا مظهر تراجع و تخلف ، و متى ما تم تدارك هذا الخلل و ضبطه فإن مجتمعنا و بلا شك سيكونُ في أفضلِ حالاته و أكثرها عطاءً و تطوراً .
يجب أن نعي و بقوة انعدام التعارض بين كفة الثقافة و العلم و التقنية و التطور و كفة عقيدتنا و مبادئنا و موروثاتنا الحميدة ، بل إن الكفة الثانية هي الخلفية الصلبة التي نتكئُ عليها و نقوى بها و نُبدع ، أما التنكر لها أو معاداتها هو الترنح بين ثقافة نجحدها و أخرى ترفضنا وحين ذاك يكون السقوط !

للجوف مطر :
يتساقط على أجنحتها المزروعة بالأمل ، يكبرُ في تفاصيلها المُعطرةِ بالأقحوان ، يبتلعُ بقايا الألم الموارب في عروقها ، يذروا عليها ابتسامات الضوء ، يرسلها قصائد تشبه الصباح ..
هكذا كان المطر في مدينتي !

ملاك الخالدي خاص صحيفة جوف

15 التعليقات

إنتقل إلى نموذج التعليقات

    1. 1

      موضوع ممتاز :lool: :lool: :lool: :lool: :lool: :lool: :lool: :lool:

      (0) (0) الرد
    2. 2

      مررت على الفضيلة وهي تبكي
      فقلت علامَ تنتحب الفتاة
      فقالت كيف لا أبكي وأهلي
      جميعاً دون أهل الله ماتوا

      وإن كنا نجزم بأن أهل الفضيلة لم يموتوا ولن يموتوا بإذن الله،،

      شكراً للأخت ملاك،، قلم مبدع

      (0) (0) الرد
    3. 3

      رائع جدا يا ملاك

      نعرف إنك شاعرة بس طلعتي مفكرة بعد :lool:

      الله يسعدك دنيا و آخره

      (0) (0) الرد
    4. 4

      أخترتي فأحسنتي وكتبتي فأبدعتي ولمستي الجرح فأشفيتي ورسمتي الحروف خارطة طريق لمشكلة أجتماعيه وأخلاقيه فأجدتي فيا أيها المعنيون بما كتب تدبرو مابين السطور ولتلامس ألأحرف أحاسيسكم ولتوقظ مشاعركم لتقومو بترجمته على واقعكم بارك الله بكم وبمن كتبت ونرجو أن لاتقتصر كتابتك على الصحف ألألكترونيه ليشمل النفع شرائح المجتمع

      (0) (0) الرد
    5. 5

      جــــــــــــــــــزاكـ الله خيـــــــــــــــــــــر.

      😉 😉 😉 😉 😉 😉 😉 😉 😉 😉 😉

      (0) (0) الرد
    6. 6

      أشكرِك ملاك …

      إن الفضيلة التي تقلصت للأسف ، هي الحافزُ و الحافظ للمجتمعات ! ، فهي القيمة و الفكرة التي ينطلقُ منها الفرد للبناء و هي المعززةُ لتوهجه ، و هي التي تعملُ على توجيه سلوكه وفق قاعدة صلبة في هامشٍ متسعٍ تتعددُ فيه الوسائل و تتنوع الأشكال و هذا بالتأكيد لا يعني تحرر الوسائل من القاعدة .

      يا سلام على الكلام الرائع .. ما شاء الله

      (0) (0) الرد
    7. 7

      الموضوع بالمره ممتاز

      (0) (0) الرد
    8. 8

      ملاك ..
      مذ عرفتك و أنتِ تتألقين .. قلمك أبيض مذ انبلج !
      و مبارك لك كونك أصبحتِ مستشارة لموقع لها أون لاين الذي يُعنى بالمرأة و شؤونها .

      زميلتك في لها أون لاين _ القصيم

      (0) (0) الرد
    9. 9

      نعم .. فإذا كانت مواضيعنا ومقالاتنا … تنبض بالفضيله

      وكلماتنا تنثر على شال حريري من الحياء …

      فيصبح لها روعه …

      ولكن مقال الرائعه ملاك فتح لي أبوابا وأسئله تحيرني… ربما أتسائل ؟؟؟!!

      هل تقيدنا نحن بالفضيله بالطرح أو كان متقيدا بالشرع وهذا الأصل …يعني تقيدنا

      بالعادات والتقاليد !!

      لماذا نلاحق بالعادات والتقاليد !!!

      ماذا لو كانت تلك العادات عادات سيئه ؟؟

      هل هذا يعني أن نواكبها .. ونسايسها لأنها عادات وتقاليد !!!!

      المكتوب … سواءا كان خاطرة أم شعرا .. طالما أنه تعبير عن ما يخالجك

      من مشاعر ولكن تطرحه انت بنزاهه !!!

      لماذا يأبون ذلك …

      يتوقفون عندها ويجعلون منها قضيه!!

      وأرجعونا لدوامة العيب والتقاليد …

      لست أدري ,, هل تمسكهم بالنقد الهادم من الفضيلة أم لا ؟؟؟

      (0) (0) الرد
    10. 10

      المتمردة ليس من حقك ان تخدشي الادب والذوق بهذا الأسم فاذهبي وغيري أسمكي وتعالي

      (0) (0) الرد
    11. 11

      كفاكم تطبيلا للكاتبه !

      أخت ملا ك : هل تريدين ان تصبح كتاباتنا تقليديه و جامده؟؟

      (0) (0) الرد
    12. 12

      عندما ولينا النساء زمام الامور ذهبت الفضيله نعم عندما نرى بأم أعيننا من يستغل محافل كانت لاتستخدم المنكرات والان واسفاه ترعد وتبرق با صوات الموسيقى …… اقول تذهب الفضيله ……. ولكن ستبقى لمن يحافظ عليها ..

      (0) (0) الرد
    13. 13

      ألف شكر يا ملاك

      الله يجزاك خير ، وين البنات علشان يسمعون
      يحسبون التطور باللباس الخليع ، مؤسف اللي نشوفه في المجتمعات النسائيه .

      أختي ملاك بما أنك كاتبه و مثقفه أيش رايك نبدأ بحمله لنشر الفضيله ؟؟

      (0) (0) الرد
    14. 14

      أختي ملاك

      عندما نسير في مسارات الحياة نجد أن هناك كثيراً من الأقنعة التي .. تلبس مسوح الضأن وقلوبها كالذئاب .. !

      هناك أقنعه تلبس لباس الأخلاق العا لية .. والتمسك بالخصال الحميدة .. فهم أهل التقى والعفاف والمرؤة والشهامة والنخوة.. لكن ماهي إلا لحظات وتنفجر فقاعات الصابون ، ثم تداعى الأمور كما تتداعى الأكلة على قصعتها ..

      متى تتساقط تلك الأقنعة الزائفة ؟
      متى تتبعثر تلك الأمتعة التالفة ؟
      ثم نعلنها واضحة ( أيتها العير إنكم لسارقون ) !

      فهل نبحث في نفوسنا عن معاني الطهر و الفضيلة ؟
      .. فمن يتصدق علينا .. إن الله يجزي المتصدقين !

      (0) (0) الرد
    15. 15

      الأخت ملاك
      رجاء عبدالله الصانع سعودية
      لبنى أحمد الحسين سودانية
      تسليمه نسرين بنغلاديشية
      سلمان رشدي هندي
      هؤلاء هم رموز السقوط .. هاجموا الإسلام .. وهاجموا شرع اللهَ وهاجموا نهج محمد لذا طبل لهم الغرب ترجموا رواياتهم وجعلوهم مليونيرات ..
      اشتروا دنياهم بالآخرة ..باعوا أمتهم من أجل حفنة من دولارات لكن الخزي والعار سيلاحقهم من أمتهم إلى الأبد …
      السقوط ..
      أما الفضيلة فأسأل الله أن يجعلك في مقدمة كاتباتها والداعين لها
      سلم يراعك .. ففي عهد التطبيل الإعلامي للضلال .. أصبحت الحرب على أهل القيم والفضيلة
      البحر الأخضر

      (0) (0) الرد

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *