صحيفة جوف الإلكترونية

كتاب جوف » كتاب صحيفة جوف » صغيراتي .. والعالم العيّابي
صغيراتي .. والعالم العيّابي
29-01-34 09:55 PM

صغيراتي .. والعالم العيّابي


أختلف في من أول من اخترع عملية إعادة استخدام النفايات أو ما بات يعرف بإعادة التدوير ؛ فقيل الصراصير وقيل البكتيريا وقيل الجراثيم وقيل المغنية صباح وقيل صوفيا لورين ؛ وقيل بل الراجح أنها وزارة التربية والتعليم .

بعد عام 1405 هـ وبعد انتهاء فترة خدمتي في مجمّع الثانوية لم يكن قد بقي لي في وزارة التربية والتعليم أي فرخةٍ أو جربوع ؛ ولذلك - وبحركة نذالةٍ مني - حذفتُ كل اهتماماتي بهذه الوزارة وبكل ما تفعله من إخفاق أو نجاح سواءً كان ذلك في مكتب معالي وزيرها أو في مقرات السادة حرّاس ثغورها.

وكان من المفترض لهذه القطيعة أن تدوم لو لا حادثة حدثت معي قبل حوالي عشر سنين حين أخبروني أنني قد أصبحت الآن أباً ؛ ثم بعد عام ازدادت تلك الأمور تعقيداً وأصبحت أباً للمرة الثانية ؛ وكانت تلك الأيام من أجمل الأيام إلى أن جاء وقتٌ وفاجأني فيه الجميع بقولهم : لقد آن الأوان لكي تذهب صغيرتك للمدرسة ؛ فقلت : وأين المدرسة ؟ ؛ فقالوا : من هناك ؟ ؛ فقلت : خيراً .. على بركة الله.

والآن .. وبعد مضي سبع سنين على عودة الود بيني وبين وزارة التعليم بدأت أشعر بالكثير من الحنق والغضب عليها .. وسبب ذلك بسيط !

ففي مجّمعات أعادة التدوير أو ما بات يعرف بمدارس البنات يستلمون منك صغيرتك بالروضة وهي في الخامسة ثم تستلمها منهم وهي في الثانية عشر لتكتشف بعدها أن مهاراتها في الحياة لم تتجاوز معرفة واستخدام 1 , 2 , 3 و أ , ب , ت وفيما سوى ذلك هي لا تعرف من مهارات هذه الحياة إلا كما كانت تعرف أمها !

نعم .. فـ بعد كل سنين تلك الخدمة مع تلك الوزارة لا تزال صغيرتي لا تعرف شيئاً عن السباحة إلا كما تعرفون أنتم يا سادة عن الركمجة أو ركوب الأمواج.

وصغيرتي لا تفقهُ شيئاً عن تنس الطاولة والبلياردو والشطرنج إلا كما يفقه مسؤولينا عن المسؤولية.

وصغيرتي لا تحلم بلعب كرة القدم أو السلة أو الطائرة أو حتى (طاق طاقيّة) حتى يحلم بواب مدرستهن بكونتر برج الفيصلية.

وصغيرتي لا تستطيع ممارسة رياضة العدو حتى تستطيعها أشجار الشوارع.

وصغيرتي لو اضطرت للجلوس خلف مقود السيارة فسيصبح حالها حينها مثل حالكم يا سادة لو وجدتم أنفسكم فجأة خلف مقود الطيّارة.

وصغيرتي مسجلةٌ في سجلات المجتمع على أنها مخلوقةٌ كان من الأفضل عدم وجودها وأنه لا يجب التحرك عند إنزالها أمام باب المدرسة حتى يتم التأكد تماماً من دخولها إليها ! فصغيرتي أصبحت مصداقيتها مثل مصداقية السياسي.

يحدث هذا في الوقت الذي اصبح فيه عدد مدارسنا يسد عين الشمس ! والصغيرات لا يعرفن شيئاً من لوازم البقاء أو مباحات هذا العالم إلا أن يذهبن صباحاً لمجمّع التدوير ومن ثم يعدن للبيت في الظهيرة ويبقين هناك – مع العالم الافتراضي والمسلسلات التركية - حتى يأتي إليهن صباح اليوم التالي.

وفي رمضان وذي الحجة تصبح أمورهن أفضل قليلاً لأنهن يعرفن أن عليهن الذهاب لتلك الأسواق النسائية من أجل العيد .. ثم في موسم الأعراس قد يكنّ محظوظات ويكون عند أهلهن اكثر من مناسبة ؛ وحين يأتي معرض الصناعات تراهن من فرحتهن وكأن الجنة بنفسها قد جاءتهن.

هذا هو كل حظ الصغيرات عندنا في منطقة الجوف من كل تلك الترليونات والتنمية .. لا شيء .. فقط الأسوار العالية والكثير الكثير من الكراسي والطاولات الباليه .. فنحن – ومن خلفنا حكومتنا - لا نفقه من شأن تنميتهن إلا أن نبحث لهن عن أسماء جميلة عند مولدهن وأن نلهو معهن كثيراً أيام طفولتهن ثم إذا بلغن العاشرة وبدأنَ بالمزاح ومزحن معنا قلنا لهن على الفور : عيب يا بنت ! نقول هذا ونحن نجهل تماماً أن الفتاة بلا هوايةٍ تحبها قد يكون من السهل جداً أن تكون هوايتها هي العيب ! فالإنسان بالنهاية هو بأمس الحاجة لأي هواية تقتل وقت فراغه وإلاّ فما الذي يجمعنا – يا ساده - في استراحاتنا كل يومٍ أو كل ساعةٍ مثل فقماتٍ على صخرةٍ ندلدل برؤوسنا ونحن نستمع لقصة فتاةٍ انحرفت ونقول : تُرى لماذا انحرفت تلك المسكينة ؟!

وفي النهاية .. هذه قصةٌ قصيرةٌ جداً لكنها ستكون طويلةٌ على من يفهم :

حدثني صديق فقال : تزوجت بفتاة طيبة من إحدى العوائل الكبيرة بالبلد وفي اليوم التالي أخذتها بالسيارة لأسبوع عسلٍ بالأردن وبعد أن انطلقنا لساعتين على الطريق فاجأتني بقولها :

يا الله !!! لم أكن أظن أن هذا العالم كبيراً إلى هذا الحد !!!


فهد عواد العوذة

تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 494


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook
  • أضف محتوى في twitter


التعليقات
160191 الضوء السائل 01-02-34 06:23 PM
السلام عليكم
عودا حميدا يا فهد أشغلتنا عليك
وتسألت عن غيابك حيث وقع في ذهني الكثير من التوقعات
منها انك ربما وقعت عقد مع اي منافس لجوف
عموما حياك بعد طول الغياب

اما موضوعك فذكرني لأحد ساسة مصر الذي كان مديرا للوكالة الدولية للطاقة الذرية
حيث كان يتكلم عن الدستور المصيري
ومع ان الدستور احتوى المسلمين والاقباط والمسيحيين
الا انه قال (( ليش ما يسوون للبوزيين معبد أد كده ويقرب بين كفيه))
معاني الكلمات:
للبوزيين: اي للبوذيين
أد: قد وتجي كبر
كده: كذا






أسعد الله أوقاتك،،،

[الضوء السائل]
4.00/5 (1 صوت)


ردود على الضوء السائل
الضوء السائل 02-02-34 08:29 PM
عفوا
المسلمين والأقباط واليهود

فهد العوذة
فهد العوذة

تقييم
10.00/10 (5 صوت)